the interrogations of shamshouma

الرجل الوحيد


 “بعدين، بعدين” و أشار بيديه بطريقة أستعملها عادة لكشّ الذباب. حاولت ألا أنظرالى وجهه ولكنني لم اتمالك نفسي.. كيف يبدو وجهه بعد أن قال له “بعدين، بعدين” بهذه الطريقة؟ رمقته بنظرة سريعة وبلحظة واحدة تبخرعملي وتركيزي وكدت أنفجر بالبكاء.

هكذا يبدو الوجه إذا. وجه شخص يتوق الى التكلم، يكاد ينفجر من شدة السكوت، بعد أن رفض الجميع التواصل معه. لمت نفسي على استرقاء النظر. بدا وجهه محتقنا من شدة التوق الى التكلم، وعيناه صلبتان كأنه عانى ما هو أسوأ من ذلك، أسوأ من إشارة نبذ صغيرة. لم يستسلم، أشار الى آخرين في المقهى. قرأ بصوت عال من كتابه للذين اقتربوا من طاولته. قرأ عن المؤامرات وأميركا والسياسة العالمية. بعض جمل  من كتاب.

“إنت منيح؟ يلا بس عم سلّم عليك”

“حلو…. يلا بس كنت عم سلّم عليك”

لم ييأس. غيّر مكانه. وتكلم. وجهه ليس غريبا عليّ.. خرج من المقهى ثم جاء بعد قليل كي يرى إذا كان هناك أحد جديد يعرفه.

 منذ اسبوع، جلس وحيدا على طاولة. المقهى مكتظ وهو وحيد. ثم بدأ بالتكلم عاليا، وتحولنا جميعا الى جمهور له: “أنا في تركيا ….مع أردوغان!!” صرخ و قفز الجميع، “أنا في روسيا……..مع تولستوي…مش مع بوتين” هكذا اعلن لنا عن ولاءاته و خصومه في دول العالم.

تذكرت حينها مقطعا من كتاب قرأته لميلان كونديرا عندما كنت في السابعة عشر من عمري. كان المقطع يصف فتاة أسمها أغنس تستمع لنساء تتكلمن عن أنفسهنّ في منتجع صحي في براغ، وقد وقفت امرأة منهنّ تعلن: ” أنا أحب الدوش البارد”. لم تقدر أغنس ان تشارك في الحديث… ما الذي تحبه هي وما الذي تكرهه؟ هل تحب الدوش البارد أكثر او الساخن؟ هذا المقطع شكّل أزمة وجودية لي، كما لأغنس…

من أنا، أأنا شخص يحب الدوش البارد أو الساخن؟ أأنا أحب القطط أو الكلاب؟

 لم أستطع يوما استعمال كلمة أنا دون أن أشعر بأنني أكذب. ولكني لم أقدر على الهروب من الأنا. الكل يريد ان يعرف، هل أنا أحب الدوش البارد او الساخن؟ عندما كنت صغيرة كنت أرفض الإجابة، أو كنت أسكت. مع مرورالوقت، خفت حدّة مقاومتي وتعلّمت اللعبة الاجتماعية:

 ” إيه أنا بحب الدوش البارد كثير أحلى من الدوش السخن وأصلا صحيّ أكثر بقولو”

 

لا أحد يستطيع الفرار من الأنا.

 

و لكنّ أزمة الأنا التي يعاني منها هذا الرجل مختلفة، وهو يستطلع ولاءاته وآرائه الصارمة (في اميركا أنا مع…محمد علي كلاي!!) لنا في المقهى. لا أحد يريد ان يعرف اذا يحب الدوش ساخنا او باردا. لا أحد يكترث لأناه.  وهو لا يكترث لعدم اكتراثنا له:  “أنا  في لبنان…..مع جورج حاوي!!” والتفت بعض الأجانب إليه وقد بدأوا يشعرون بالقلق.

هكذا يبدوالوجه المثابر، الوجه الذي لا يرضى بالصمت. معظم الاشخاص الذين نوصفهم بالجنون هم أشخاص يتوقون الى الكلام فقط.

ذهب الرجل وكتابه وحلّ مكانه مراهقان. وضع الأول تلفونه فور وصوله على الطاولة. بدا لي انهما يستعملان الانكليزية لأنهما اذا تكلما بلغتهما الفعلية، لن يجدا شيئا للحديث عنه.

“Man I cant believe this whole situation…with Nathalie Portman man!”

الصمت يحيط بحديثهما…عن ماذا سنتكلم الآن بعد الحديث عن المسلسلات التلفزيونية؟ ينظر واحد منهما إليّ خلال حلقات الصمت (انا بطلع قد الماما يا حبيبي)، يستعمل تليفونه، يضحك، و يريه لرفيقه كي يضحك معه. لقد وجدا شيئا للتكلم عنه.

هناك أشخاص يفيض بهم الكلام حتى الاختناق، وهناك أشخاص يعبرون الحياة دون أن ينطقوا بكلمة.

Advertisements

Single Post Navigation

One thought on “الرجل الوحيد

  1. Althie on said:

    I love it. Seriously mesmerizing and Lebanese! Great work!

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Qawem.

yasmeen mobayed

qawem

سياسية ، دينية ، ثقافية ، اجتماعية

Radical Faggot

Black Knowledge Queer Justice

Disclosed Reflections

Thoughts on the queer movement in Lebanon

theamazinsardine

Memoirs of an asshole immigrant in the land of Kanedia

La Universidad Desconocida

English translations of Roberto Bolaño's poetry

a paper bird

Un pajaro de papel en el pecho / Dice que el tiempo de los besos no ha llegado

Mobilizing Ideas

Activists and Scholars Debate Social Movements and Social Change

Black Space

Crafting a Place for Black Womxn Writers

geographical imaginations

war, space and security

Nursing Clio

The Personal is Historical

%d bloggers like this: